مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
180
تفسير مقتنيات الدرر
كان جماعة حول المدينة من الأعراب وهم أربع قبائل : أسلم وأشجع وجهينة وغفار . المراد في الآية ممّن حول المدينة هؤلاء * ( [ مَرَدُوا ] ) * على النفاق و « المارد » العاتي والمتطاول بالكبر والمعاصي و « المرود » الملاسة مأخوذ من الأرض الرملة الَّتي لا تنبت شيئا . * ( [ لا تَعْلَمُهُمْ ] ) * مع حدسك وصفاء فهمك * ( [ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ] ) * أي عذاب الدنيا بالقتل والسبي والثاني عذاب القبر . وقيل : المراد بالدبيلة وعذاب القبر . وقيل : إحدى العذابين ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند النزع والآخر عند البعث قبل الورود إلى جهنّم يوكّل بهم عنق من النار في الموقف . وبيان عذاب الدبيلة أنّه صلى اللَّه عليه وآله أسرّ إلى حذيفة اثني عشر رجلا من المنافقين وقال : ستّة يبتليهم اللَّه بالدبيلة ، سراح من نار يأخذ أحدهم حتّى يخرج من صدره وستّة يموتون . * ( [ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ ] ) * أي النار المؤبّدة المخلَّدة . قوله : * ( [ وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا ] ) * قيل : إنّهم قوم من المنافقين تابوا عن النفاق . وقيل قوم من المسلمين تكاسلوا وتخلَّفوا عن غزوة تبوك ثمّ ندموا على ما فعلوا وتابوا . روي أنّهم كانوا عشرة ، فسبعة منهم ندموا على قعودهم وتخلَّفهم عن الجهاد في غزوة تبوك لمّا بلغهم ما نزل في المتخلَّفين فأيقنوا على أنفسهم بالعذاب فأوثقوا أنفسهم على سواري المسجد فقدم رسول اللَّه فدخل المسجد وصلَّى ركعتين . وهذه كانت عادته لمّا يقدم عن سفر فرآهم موثوقين سأل عنهم فذكر له صلى اللَّه عليه وآله أنّهم أقسموا أن لا يحلَّوا أنفسهم حتّى يحلَّهم رسول اللَّه فقال صلى اللَّه عليه وآله : وأنا اقسم أنّي لا احلَّهم حتّى أومر فيهم فنزلت الآية ، فأطلقهم صلى اللَّه عليه وآله بعد الآية فقالوا بعد ما انتحلوا : هذه أموالنا وإنّما تخلَّفنا عنك بسببها فخذها وتصدّق بها وطهّرنا فقال : ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا فنزل « خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ ، إلخ » . وبالجملة * ( [ وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا ] ) * المراد بهم من الأعراب وأهل المدينة وليس المراد منهم المنافقين أقرّوا * ( [ بِذُنُوبِهِمْ ] ) * ويخلطون ويفعلون أفعالا حسنة وأفعالا قبيحة . وأتى بكلمة « عسى » حتّى يكونوا بين إشفاق وطمع فيكون ذلك أبعد من الاتّكال على العفو وإهمال التوبة .